لعدة سنوات... ونبض القلم هو النداء والصدى... في السفر والحضر، في الحل والترحال، بين مدن العالم وأجزائه المترامية، حتى غدت تلك البقاع هي الرواية للحكاية، والمسطّرة للحدث. ولسنوات ممتدة أيضاً والعزلة عن الكثير من البشر كانت وما تزال هي أنسب خيار، وهي الوطن المختار، وحينها... ترتضي النفس السير في معيّة  القلم وحروفه، والصمت ومعانيه، وترى في ذلك سلواناً عن صحبة كثير من البشر،...

هناك لحظات في حياتنا؛ حينما نبتعد عن مشاغلنا وشواغلنا، ونجلس مع الذات؛ لنراجع ما فات، ونتأمل الحاضر بأفراحه وأتراحه؛ آنذاك نعيش مع الذات لحظات تذكّر وتفكّر بعمق وتمحيص. حضرت إلى العاصمة البلجيكية "بروكسل" مشاركاً في مؤتمرها السنوي عن التميّز، أسعدني أن يكون مقر الانعقاد خارج العاصمة، في منتجعٍ هو أقرب إلى واحة غناء،...

كتبت منذ عدة أشهر؛ كيف استطاعت الإمارات - قيادة ورؤيةً - أن تجعل من "السعادة" صناعة خدمية، مثل التعليم، والصحة، والأمن والأمان، وكان ينبض قلمي حينها؛ بمناسبة تبوّء الدولة المرتبة الأولى عربياً في مؤشر الرضا والسعادة. واليوم؛ نحن أمام قفزة جديدة في سلّم الريادة والنضج الإماراتي نحو العالمية؛ ...

جاءتني الدعوة في وقت كنت فيه في أمس الحاجة للاستشفاء من ضغوط العمل، وشواغل لا تنتهي، ومشاغل تطحننا برحاها صباح مساء؛ فلا نعلم كيف بدأ اليوم ولا كيف انتهى... كتبت من قبل عن باريس الساحرة الماكرة... واليوم أكتب عن باريس في حضرة الرفقاء الأنقياء الذين منحوا لهذه الزيارة معنى آخر وبعداً آخر وألفة أخرى... فلكل يوم طعمه ومذاقه... وفي كل مكان حضور آسر، وحديث غامر، وضحكة نابعة من القلوب،...

 

من المعلوم أن المؤتمرات والندوات العلمية والملتقيات وورش العمل وغيرها من الفعاليات التي تنفّذ بغرض التطوير والإفادة؛ تُعَد بشكل عام ثقافة مجتمعية إيجابية لا ينبغي أن نغفلها، وإقامة مثل هذه الفعاليات، ثم التوصيات التي تصدر عنها تضيف قيمة علمية، وتساهم في إثراء المعرفة في شتى المجالات، بالإضافة إلى كونها تُعَد منطلقاً لإجراء المزيد من الدراسات والبحوث المتعلقة بالتنمية التطوير المستدام... 

احتضنت العاصمة الإماراتية أبوظبي - على مدى يومين -  مؤتمراً دولياً، أراه المحطة الأولى نحو الريادة العالمية لجائزة خليفة التربوية الواعدة، والتي تهدف إلى الارتقاء بالعامل التربوي في الإمارات والوطن العربي، وبما يتناسب مع رؤى القيادة الرشيدة في الدولة، ممثلة في قائد مسيرتها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله.

همسات مؤلمة ...!!

ماذا يحدث؟ وكيف؟ ولماذا؟

تتساءل ولا جواب، وتنادي فلا مجيب، وتتألم فلا ترياق ...

غابت الأهِلّة ... وتاهتِ الأدلّة ...

ماذا أصاب العباد!! لماذا تزايدت البغضاء والشحناء، وأوغرتِ الصدور، وتعدّدت الرايات، وضاعت الغايات، وساءت النيات...؟

تجديداً للحياة، وتطلعاً للمعرفة، قررت أن أبتعد لبعض الوقت عن ضوضاء مدننا العربية، وما تزخر به من متناقضات أغلبها سلبية، تغذيها -للأسف- هالة إعلامية، تصبّحنا وتمسّينا بأفكار مثيرة لا منيرة، ومحيّرة لا مسنيرة، تدل كلها على ردّة عقلية، وتأخر أخلاقي، وجماعات خاصمت الفكر المستنير وتمسكت بالفكرة الخاطئة، جانبت أدبيات العقل الرشيد وتفاخرت بالأعمال الواهية ...

ها أنا من جديد أرصد عافية الوطن في يوليو؛ كعهدي كل عام، بعد أن أمضي بضعة أيام في قاهرة المعز.. الخطب أكثر جللاً... الجرح أكثر ألماً... رغم روحانية الشهر الفضيل، فإن شواهد الحال لا تبعث على الاطمئنان.. من المطار وطول الإنتظار، إلى غلاء الأسعار، وأزمة السولار، وندرة الدولار، وسباق التجار في الاغتنام من كل الأوضاع، إلى البشر السائرين في الطرقات بلا انتظام...

في سباق التميُّز لا صوت يعلو فوق صوت النتائج... والنتائج تأتي بعمل وهمّة وطموح ورؤية واعدة؛ لا تعرف كلمة مستحيل في قواميس أصحاب الهمم..
ما حققته الإمارات العربية المتحدة مؤخراً من رقم جديد في سلّم الريادة؛ هو بحق سيمفونية إماراتية جديدة وفريدة، شكلتها خمس عشرة مقطوعة،...

تعودنا في أدبيات الدراسات، اﻷبحاث، المشاريع والمبادرات أن نقرأ ونبحر في الاقتصاد المعرفي، الاقتصاد الرقمي، اﻹبداع والابتكار، ولكن أن نجد أنفسنا في حضرة ابتكار من نوع آخر أﻻ وهو الابتكار المجتمعي واقتصاد من نوع فريد استثنائي أﻻ وهو الاقتصاد اﻹبداعي وتواصل من نوع خاص هو تواصل بلا فواصل، فنحن دون أدنى شك أمام نقلة جديدة، طموح جديد، عزم جديد ونجاح جديد...

انطلقت اليوم في دبي القمة الحكومية وبحضور حوالي 3500 مشارك و60 متحدث من صناع القرار وكبار الشخصيات محلياً وإقليمياً وعالمياً وبمشاركة 50 حكومة من مختلف دول العالم.. وهي ليست قمة عادية ولكن قمة القمم في طموحاتها ورؤيتها وغايتها نحو استعراض مسارات الريادة وخارطة السعادة بثوابت اﻹبداع والابتكار والتقدم التقني وتسخير كافة إمكانات الحكومات لترجمة طموحات اﻹنسان في أن يحيا حياة سعيدة واعدة بوسائل الراحة وتحت مظلة حكومة هي سلطة للمواطنين وليست سلطة عليهم كما تفضل سمو الشيخ محمد بن راشد حفظه الله.

في الثلاثين من يناير 2014، بلغ قطار العمر محطته الخامسة والأربعين... أقف الآن وأتأمل في غرس السنوات وحصاد الأيام والليالي والحِلّ والترحال... أحادث نفسي كثيراً عن أهم معالم ودروس الرحلة... تلوح أمامي في الأفق دروس عديدة وذكريات مديدة وشواهد ممتدة بين مدارات ونجاحات وتحديات...

ما أجمل أن تعيش سويعات مع مستقبل واعدٍ رغم حاضر تُحاصره التحديات..! ما أجمل أن تمضي وقتاً فكريًّا تفاعليًّا ثريًّا في معيّة عقول غازلها حب التنوير وأدبيات تطوير الذات وتمكين المجتمعات رغم مشقة الحب في زمن الافتقاد...! لقد أمضيت يومين في مناسبتين تعرفت خلالهما على سواعد قررت أن يكون لها بصمة عمل مجتمعيّ تحت مظلة "أجيال من أجل أجيال"... استمعت... تأملت... أنصت... حاورت... تحدثت... تعلمت... فأيقنت...

من يُمعن النظر في تلك المنظومة السباعية من مفردات الأجندة الوطنية التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله" مؤخراً، يدرك أننا أمام سيمفونية رائعة من روائع زمن الريادة، وسعي لا يعرف الكلل أو الملل نحو القمَّة ولا شيء غير القمَّة. لنراجع معاً كلمات تلك النوتة الموسيقية الآسرة لوطنٍ متحدٍ ومتوحدٍ ولقادةٍ قدموا نموذجاً قلَّما تجده في بقعة غير أرض الإمارات الواعدة،...

رفتُ اليوم بأن أكون مُصغيًا لومضاتٍ، وشاهدًا على بصماتِ قائد استثنائي أبحر بنا في رحلة زادُها دروسٌ من الحكمة والحِنكة والنجاحات... كم هو ممتع أن تكون حاضرًا في مجلس قدوة من أصحاب الرؤى ممن يملكون الهمم للوصول إلى القمم... تشرفتُ بأن أكون ضمن من حظوا بلقاء سيدي سمو الشيخ الفريق سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية خلال الاجتماع التمهيدي لمقيِّمي المؤسسة الأوروبية لإدارة الجودة (EFQM)...

حين تكون لديك الهمة والعزيمة والنية والمطية والرؤية والروية والسعي الحثيث إلى عمل مستدام وغرس مستدام، ثم تجد نفسك في سراديب ومتاهات بين أصوات تتعالى وأحلام تتهاوى وكلمات بلا ثوابت أو روابط وأطروحات بلا إطار زمني أو عملي أو علمي أو
عقلي أو منطقي...

آنذاك سيدي لا تملك إلا الصمت...!

TOP